سيد قطب

3575

في ظلال القرآن

لحظة أن يكون أمرهم قد افتضح وسترهم قد انكشف . والتعبير يرسمهم أبدا متلفتين حواليهم ؛ يتوجسون من كل حركة ومن كل صوت ومن كل هاتف ، يحسبونه يطلبهم ، وقد عرف حقيقة أمرهم ! ! وبينما هم خشب مسندة ملطوعة إذا كان الأمر أمر فقه وروح وشعور بإيقاعات الإيمان . . إذا هم كالقصبة المرتجفة في مهب الريح إذا كان الأمر أمر خوف على الأنفس والأموال ! وهم بهذا وذاك يمثلون العدو الأول للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وللمسلمين : « هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ » . . هم العدو الحقيقي . العدو الكامن داخل المعسكر ، المختبئ في الصف . وهو أخطر من العدو الخارجي الصريح . « فَاحْذَرْهُمْ » . . ولكن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لم يؤمر هنا بقتلهم ، فأخذهم بخطة أخرى فيها حكمة وسعة وثقة بالنجاة من كيدهم ( كما سيجيء نموذج من هذه المعاملة بعد قليل ) . . « قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ » . . فاللّه مقاتلهم حيثما صرفوا وأنى توجهوا . والدعاء من اللّه حكم بمدلول هذا الدعاء ، وقضاء نافذ لا راد له ولا معقب عليه . . وهذا هو الذي كان في نهاية المطاف . ويستطرد السياق في وصف تصرفاتهم الدالة على دخل قلوبهم ، وتبييتهم للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وكذبهم عند المواجهة . . وهي مجموعة من الصفات اشتهر بها المنافقون : « وإذا قيل لهم : تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه لووا رؤوسهم ، ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون . سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، لن يغفر اللّه لهم ، إن اللّه لا يهدي القوم الفاسقين . هم الذين يقولون : لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضوا . وللّه خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون . يقولون : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . وللّه العزة ولرسوله وللمؤمنين . ولكن المنافقين لا يعلمون » . . وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد اللّه بن أبي بن سلول : وفصل ابن إسحاق هذا في حديثه عن غزوة بني المصطلق سنة ست على المريسيع . . ماء لهم . . فبينا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على ذلك الماء - بعد الغزوة - وردت واردة الناس ، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له : جهجاه بن مسعود يقود فرسه ، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عون ابن الخزرج على الماء ، فاقتتلا ، فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار . وصرخ جهجاه . يا معشر المهاجرين . فغضب عبد اللّه بن أبي بن سلول ، وعنده رهط من قومه ، فيهم زيد بن أرقم غلام حدث . فقال : أو قد فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا . واللّه ما أعدّنا وجلابيب قريش « 1 » إلا كما قال الأول : سمن كلبك يأكلك ! أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم : هذا ما فعلتم بأنفسكم : أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما واللّه لو أمسكتم عنهم بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم . فسمع ذلك زيد بن أرقم . فمشى به إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وذلك عند فراغ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من عدوه ، فأخبره الخبر ، وعنده عمر بن الخطاب . فقال :

--> ( 1 ) الجلابيب : اسم كان يلقب به المنافقون أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - المهاجرين .